الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة الزاوية والزردة: من «الخرافة والتخلف» إلى استعادة الوظائف التي أدتها تاريخيا داخل المجتمع

نشر في  07 سبتمبر 2026  (17:17)

«ما الذي تمثله الزاوية والزردة غير التخلف والخرافة؟» سؤال طرحه بعض الشباب المحتجين على الزاوية والزردة، في موقف يعكس نظرة شائعة إلى هذا الموروث باعتباره بقايا زمن مضى، لا مكان لها في مجتمع يتطلع إلى الحداثة. لكن الإجابة التي قدمها محمد قادري، مدير المهرجان الثقافي سيدي سعد بن عروة ببليماية من معتمدية منزل شاكر، فتحت السؤال على معنى أوسع بكثير: ما الذي يمكن أن تمثله الزاوية اليوم، وما الوظائف التي أدتها تاريخيًا داخل المجتمع؟

يقول قادري إن من فضائل الزاوية و«كراماتها» أنها تتيح لنا أن نلتقي حضورياً، وأن نسأل بعضنا بعضًا. تبدو العبارة، في بساطتها، مدخلًا إلى فهم وظيفة تتجاوز الطقس الديني أو الاحتفال الشعبي، لتلامس مسألة الاجتماع ذاته: كيف يلتقي الناس؟ كيف ينتظم حضورهم الجماعي؟ وكيف تنشأ بينهم روابط وقواعد وأشكال من التضامن والتواصل؟

والإجابة عن هذا السؤال لا تخص الشباب الذين أبدوا اعتراضهم على الزاوية والزردة فحسب، بل تعنينا جميعًا، بل تعني الدولة التونسية أيضًا، بوصفها الإطار الذي يحتضن وجودنا التاريخي والمعاصر. فإحدى الوظائف الأساسية للدولة تتمثل في توفير الأمن والنظام والقدرة على ضمانهما، في مواجهة الاحتمال الدائم للفوضى والعنف وانهيار الروابط الناظمة للمجتمع.

من هنا يمكن طرح السؤال الأهم: كيف تكون الزاوية الراعي الأول والوسيط بين الفرد والمجتمع وبينهما والدولة في تحقيق الحضور المنظم ؟

لن نخوض كثيراً في المفاهيم والاصطلاحات، فقط وبشكل مختصر، نقول أنّ الزاوية مؤسسة اجتماعية ارتبطت بما يسميه الباحثون " الاسلام الشعبي" في مقابل { الاسلام الرسمي} .

الزاوية ارتبطت عندنا في تونس بحياة الحضر (المدن) وارتبطت اكثر بحياة البدو الذين جرى تمثّلهم في بعض الخطابات باعتبارهم أقل انتظاما.

ويشير محمد القادري إلى أن «من المفاهيم التي ارتبطت بالزاوية، التصوف والزهد، الطريق والطريقة، الحضرة والحضور والخُمْرة؛ كلها مفاهيم ساهمت في تنظيم العمران البشري وتحقيق ضرورياته وكمالياته على المستوى الفردي والجماعي».

وقبل نشأة الدولة الوطنية الحديثة، كانت الزاوية، بحسب القادري، تضطلع بجملة من الأدوار الاجتماعية التي ستتولاها الدولة لاحقًا، من الإطعام والإعاشة وتوفير الأمان، إلى التربية والتعليم والقراءة، والعلاج والزواج، وصولًا إلى فضّ الخلافات والنزاعات. ولم تقتصر هذه الوظائف على المدن، بل امتدت كذلك إلى الأرياف.

وإذا كانت الدولة الحديثة قد تولت اليوم معظم هذه الوظائف، فهل يعني ذلك أن الزاوية فقدت ضرورتها الاجتماعية؟ أم أن بعض وظائفها الرمزية والاجتماعية ما يزال قادرًا على الاستمرار بأشكال جديدة؟

هل مازلنا نحتاج اليوم إلى الزاوية والزردة والحضرة؟

ويرى القادري اننا من الناحية الوظيفية نحتاج اليوم إلى الزاوية اكثر من أي وقت مضى للأسباب التالية:

- علو منسوب القلق والعنف الاجتماعي بكل أصنافه اللفظي والمادي ، الواقعي والافتراضي.

- تراجع ادوار مؤسسات الدولة خاصة في التنظيم والرعاية والتربية

- صعود العصبيات والانتماءات الاجتماعية الأولية واستقوائها في كثير من الأحيان على عصبية الدولة والافكار التي تأسست لأجلها، من بين هذه العصبيات الأولية (القبيلة، العشيرة، الطائفة، جهوية نضيف إليها العصبية الرياضية وحتى العصبية الإفتراضية " النعرات الفيسبوكية " )

- غياب فئات واسعة وخاصة الشباب عن الحضور الواقعي والسفر الى الحضور الإفتراضي (الفيسبوك والانستغرام والتيك توك..) للمشاركة والتعبير الإفتراضي في تحلل مطلق من كل الروابط الاجتماعية، وضرب كل شيء حتى العائلة، رُبّ حضور افتراضي اصبح يعزل الشاب عن مشاركة عائلته وجبة طعام.

الزاوية والطريقة، الزردة والحضرة هي أهم الأطر التي مازلنا نحضر فيها واقعيا وتجنبنا الغياب والحضور الهمجي الغير المنظم.. ان موقف الكثيرين ومنهم هذا الشباب السائل عن الزاوية والزردة هو موقف انفعالي لعله نمى وترعرع من الموقف الايديولوجي المغلق من الزاوية ( الزاوية فضاء وتقليد متخلّف) الذي كرسته النخبة وسلكته الدولة الوطنية المعاصرة.

الزاوية وفي كل تاريخها كانت لها وظائف اجتماعية فحسب وكانت دوما مسالمة ولم تطرح على نفسها أبدأ مهمات سياسية، لا ندري حقا مالذي دفع الدولة المعاصرة ونخبتها إلى تهميش الزاوية واضعاف ادوارها الاجتماعية...

ان الزاوية كمؤسسة للإسلام الشعبي وحاضنة للتصوف الطرقي، وعلى عكس الكثير من جوامع ومساجد الدولة الرسمية لم يقع منها اي انفلات او عنف بل ظلت هذه الزاوية تدافع دوما على السلم الاجتماعية وعن مكتسبات المجتمع والدولة.

هذه المؤسسة العريقة لا تزال من الأجسام الاجتماعية الوسيطة والفاعلة بقوة في ادراك وتمثلات الجمـاعة... وحتى تخيلاتها...

على الدولة استدعاء الزاوية من جديد ودعمها وتوظيفها حتى لا تتصادم مستقبلا مع الجمهور الغائب والجمهور الهمجي (الذي لم يتلقى تربية يتمثل من خلالها نواميس المجتمع وقيمه ويستبطنها في فكره وممارسته)..

منير الهاني